الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
175
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
حقيقي ، أي لا يوجّهن أنظارهن إلى غيرهم وذلك كناية عن قصر محبتهن على أزواجهن . ويجوز أن يكون المعنى : أنهن يقصرن أطراف أزواجهن عليهن فلا تتوجه أنظار أزواجهن إلى غيرهن اكتفاء منهم بحسنهن وذلك كناية عن تمام حسنهن في أنظار أزواجهن بحيث لا يتعلق استحسانهم بغيرهن ، فالأطراف المقصورة أطراف أزواجهن ، وإسناد قاصِراتُ إليهن مجاز عقلي إذ كان حسنهن سبب قصر أطراف الأزواج فإنهن ملابسات سبب سبب القصر . و أَتْرابٌ : جمع ترب بكسر التاء وسكون الراء ، وهو اسم لمن كان عمره مساويا عمر من يضاف إليه ، تقول : هو ترب فلان ، وهي ترب فلانة ، ولا تلحق لفظ ترب علامة تأنيث . والمراد : أنهن أتراب بعضهن لبعض ، وأنهن أتراب لأزواجهن لأن التحابّ بين الأقران أمكن . والظاهر أن أَتْرابٌ وصف قائم بجميع نساء الجنة من مخلوقات الجنة ومن النساء اللاتي كنّ أزواجا في الدنيا لأصحاب الجنة ، فلا يكون بعضهن أحسن شبابا من بعض فلا يلحق بعض أهل الجنة غضّ إذا كانت نساء غيره أجدّ شبابا ، ولئلا تتفاوت نساء الواحد من المتقين في شرخ الشباب ، فيكون النعيم بالأقل شبابا دون النعيم بالأجدّ منهن . وتقدم الكلام على وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ في سورة الصافات [ 48 ] . [ 53 ] [ سورة ص ( 38 ) : آية 53 ] هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ ( 53 ) استئناف ابتدائي فيجوز أن يكون كلاما قيل للمتقين وقت نزول الآية فهو مؤكّد لمضمون جملة وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ ص : 49 ] . والإشارة إذن إلى ما سبق ذكره من قوله : لَحُسْنَ مَآبٍ فاسم الإشارة هنا مغاير لاستعماله المتقدم في قوله : هذا ذِكْرٌ [ ص : 49 ] . وجيء باسم الإشارة القريب تنزيلا للمشار إليه منزلة المشار إليه الحاضر إيماء إلى أنه محقق وقوعه تبشيرا للمتقين . والتعبير بالمضارع في قوله : تُوعَدُونَ على ظاهره . ويجوز أن يكون كلاما يقال للمتقين في الجنة فتكون الجملة مقول قول محذوف هو في محل حال ثانية من « المتقين » . والتقدير : مقولا لهم : هذا ما توعدون ليوم الحساب . والقول : إما من الملائكة مثل قوله تعالى : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ النحل : 32 ] ، وإما من جانب اللّه تعالى نظير قوله لضدهم : وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ [ آل عمران : 181 ] .